علي الهجويري

38

كشف المحجوب

الناس عن طريق النفاق . أما المتصوف الجاهل فهو ذلك الذي لم يلحق بشيخ ، ولم يأخذ آداب السلوك عن مرب عظيم ، ولم يذق مر الزمان ، وارتدى الأزرق عمى ، وألقى بنفسه بينهم ، وتجرأ في صحبتهم بالانبساط ، ودفعه حمقه لأن يظن أنهم جميعا مثله ، وأشكل عليه طريق الحق والباطل . هذه هي الأصناف الثلاثة من الناس الذين بينهم هذا الموقف . وأمر المريد بالإعراض عن صحبتهم ، فهم كاذبون في دعاويهم ، ضالون في طريقهم . يقول أبو يزيد البسطامي : « علمت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئا أشد من العلم ومتابعته » ، وفي الجملة لأن يطأ المرء الجمر أيسر على الطبيعة الإنسانية من أن يسلك طريق المعرفة ، وأن يعبر قلب الغافل الصراط ألف مرة أيسر من أن يلم بقدر ضئيل من المعرفة . ويفضل الفاسق أن يقيم خيمته في السمير بدلا من أن يقوم بتطبيق شيء مما عرف . ولذلك فمن الواجب عليك أن تتعلم العلم ، وتبحث عن كماله . وأن كمال المعرفة الإنسانية هو الجهل بالمعرفة الإلهية ، إذا عليك أن تبلغ من العلم قدرا يجعلك تعلم أنك لا تعلم . ومعنى هذا أن المعرفة الإنسانية هي وحدها ما يقدر الإنسان على تحصيله ، وأن البشرية هي أكبر حاجز يفصله عن الربوبية كما قال الشاعر : العجز عن درك لا درك إدراك * والوقف في طرق الأخيار إشراك أما من لا يعلم ويصر على جهله فهو مشرك ، ولكن العالم عندما تصل معرفته إلى درجة الكمال يرى الحقيقة ، ويدرك أن معرفته ليست أكثر من مجرد عجزه عن أن يدرك ما ستكون عليه نهايته ، إذ أن الحقائق لا تتأثر بما أطلق عليها من أسماء . فعجزه عن اللحاق بالعلم علم . واللّه أعلم .